بسم الله الرحمن الرحيم
كان سلطان دولة الاسلام في تركيا يولي اهتماما خاصا للأذان و جمال الأذان و يعين له المؤسسات الخاصة بانتقاء أحسن المؤذنين أصواتا و تعليمهم المقامات ثم انتقاء الأكثر كفاءة منهم ليرفعوا الأذان في أكبر مساجد الدولة ..
و كان ذاك و أكثر منه هو الحال على امتداد تاريخ الخلافة الاسلامية في الفترة المعروفة بـ (الدولة العثمانية )
كان ذاك هو الحال من الاهتمام البالغ في كل مظهر من مظاهر الحضارة الاسلامية .. و كان ذاك هو التعظيم لشعائر الدين الحنيف ..
و لكن بعد سقوط الحكم الاسلامي و تولي الطاغية الهالك " مصطفى معدوم الدين أتاتورك - و معاذ الله أن يكون " كمال الدين " !!
بعد توليه رئاسة الدولة و إعلانه عن قيام الدولة التركية القومية كانت من أوائل قراراته التي أصدرها : منع الأذان باللغة العربية و تحويلة إلى اللغة التركية في سياق منهجية التتريك التي اتبعها .. بل زاد عليها أن حوّل أحرف اللغة التركية من الأحرف العربية إلى الأحرف اللاتينية إمعانا في محاربة الدين الاسلامي و إجبار الشعب على نسيان دينه .. ففرض اللغة التركية الجديدة ذات الأحرف اللاتينية في المدارس و الجامعات و في دور النشر و فرض عقوبات و غرامات على من يخالف القوانين الجديدة .. في محاولة خبيثة لفصل الشعب التركي عن تاريخه العظيم الذي امتد قرابة الستة قرون مليئة بالانتصارات و الفتوحات العظيمة في الشرق و الغرب ..
حاول و ظن نفسه قد نجح .. حاول .. و لكن أنى لمعدوم الدين هذا أن يخضع الأمة التركية لإرادة أسياده من يهود أوروبا و العالم الجديد و ما هو بجديد و ما هو بحضاري إنما هو نزعة شيطانية نحو عالم بلا أخلاق و لا قيم و لا كرامة للجنس الانساني الرفيع !!
و من الطرائف التي تحكى عن تلك الفترة أن رجلا صالحا فقيها كان يكتب بيده بعض الأوراق و يوزعها بين تلامذته و كل منهم يقوم بنسخها في عدة أوراق قدر ما استطاع ثم يوزعها على من حوله .. و كل من وصلته تلك الأوراق كان يحاول صنع ذلك .. فجاءه رجل و قال له : أتظن بفعلك هذا ستعيد النصر للإسلام .. أتظن بأوراقك و منشوراتك هذه ستهزم أوروبا !!
نحن الأتراك .. عشرون مليون .. و أوروبا .. كم تظن عدد جيوشها !! .. لو هجموا على ديارنا .. أبادونا عن بكرة أبينا بليلة واحدة لو شاؤوا !!
ضحك الرجل الصالح و قال له : قد يستطيعون إبادتنا .. و لكن .. نحن عشرون مليون .. أين يذهبون بأحذيتنا !! ..
ألسنا رجال !! .. ألا نستطيع الدفاع عن أنفسنا !! .. أنسلم لهم رقابنا هكذا دون ثمن .. !
نعم كانت هذه هي روح العزة و الكبراء .. في نفس كل حر مسلم .. و إن طغى الجبابرة و إن عتوا ..
سرى أتاتورك بقراراته .. منع اللغة العربية في المدارس .. و منع حتى الأحرف العربية .. منع الحجاب .. حارب العباد ..
و حاول منع أي مظهر للدين الاسلامي في البلاد ..
و يا الله سبحان الذي أذهب عنه الحكمة و العقل و الرشاد و البصيرة !!
أكان يظن أن بعبثه هذا سيمحوا الاسلام من مدينة الاسلام .. و التي لقبت بمدينة المآذن القباب ..
و الناظر إليها لا يرى إلا مساجد و قباب .. و مآذن كإصبع السبابة تشير نحو السماء .. تشهد لله بالوحدانية .. و لمحمد بالرسالة .. صلى الله عليه و سلم ..
هي في كل لحظة تعلن إسلامها ..
و في كل لحظة تلعن العلمانية !
ظلت كذلك و ظل أهلها معها .. فلما كانت أول انتخابات مدنية حرة ، خاض "عدنان مندريس" منافسة شديدة مع خليفة أتاتورك " عصمت إينونو " ،
و أطلق مندريس وعدا للجماهير بأنهم إن انتخبوه سيلغي قرار منع الأذان بالعربية .. فانتخبه الشعب برمته .. و فاز فوزا ساحقا .. و يكفي ذاك دليلا على فشل أتاتورك بكل سياسته الخرقاء .. و يكفي ذاك دليلا على بقاء الحمية الاسلامية في نفوس الشعب التركي .. و يكفي ذاك دليلا على تمسكه بهويته الاسلامية على الرغم من كل محاولات الصهر و التذوييب و التغريب ، بكل الأساليب !
وصدق مندريس بوعده فكان أول ما فعله بعد توليه منصب الرئاسة هو إلغاء قرار منع الأذان بالعربية ..
فصعد المؤذنون و رفعوا أول أذان بالعربية بعد نصف قرن من المعاناة .. و كان في وقت الظهر .. و الناس في الشوارع و الطرقات ... و الأسواق و الزقاق .. ما إن سمعوا الأذان بكلماته العربية " الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله .. " حتى خر الناس سجدا لله شاكرين .. و امتلأت العيون بالدموع في مشهد عظيم سجله التاريخ كأروع أيام العمر .. حين عاد الشباب الفتي بعد معاناة أليمة مع الشيخوخة العلمانية المقنّعة .. عادت الحياة في القلوب و الأرواح بصورة قدسية تقول لهم بأن ظلما لن يدوم .. بأن موتا لن يصيب هذه الأمة ما دام فيها و لو رجل واحد يردد " الله أكبر الله أكبر .. لا إله إلا الله .. محمد رسول الله .. "
كانت تلك في سنة 1950م ، و ها هو العام العاشر بعد الألفين ..
و مازال الأذان يصدح كل يوم ..
بالعربية الفصيحة كما صدح به بلال أول مرة .. من غير عجمة حبشية كانت أم تركية أم أوروبية ..
و زاده تألقا ذاك الأذان السياسي الذي لا يزال "الطيب أردوغان" سليل المجد العثماني العظيم ، يصدح به كل حين ..
ينتصر لكل قضية اسلامية .. و لكل شعب مظلوم .. لأن " الله أكبر .. " و لأنه لا إله لهذا الكون سواه ..
إنها تركية .. أرض الاسلام ..
ستبقى أرض الاسلام ..
ما بقيت أرض و ما بقيت سماء .
يقين
21 / 1 / 2010 م